|
|
هو العليم
مباني السير و السلوك إلى الله
المحاضرة الثالثة
سماحة العلامة الراحل
آية الله الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
_________________________________الجزء الثاني______________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
أسوأ نتيجة لإفشاء السرّ هي الاستدراج
وحينئذٍ فما هي الآفّة التي سوفَ يتعرّض لها هذا الشخص المسكين المطرود من الله؟ سوف يَعرض له أكبر آفّة و أكبر بلاء. ما هو ذلك البلاء؟ هو الاستدراج , أي قليلاً قليلا, بحيث لا يدركُ ذلك ولا يلتفت, بل تدريجيّاً, يندحر به إلى الأسفل.. درجةً درجة, حتّى يصلَ إلى درجة الانحطاط.. ويدركَ أسفلَ سافلين. فقد بُحتُ لك بأمرٍ خاصّ, وذلك من منطلق مقام الإخلاص والاتحاد, فكشفتُ لك حالاً معيّناً.. وأقمتُ بيني وبينك علاقة وارتباطاً خاصّاً.. ثمّ رحتَ وأفشيتَ السرّ فيما بيننا!! ذلك السرّ الخاصّ بيننا.. الذي لا ينبغي لأحدٍ غيرنا أنْ يطّلع عليه! وقلبُكَ ووجدانك يعرفُ أنّ ذلك سرّ بيني وبينك!!
سؤال: لو أفشاه إلى من هو في رتبته؟ لأنّ,,,
الجواب: نعم, نعم نعم! المقصود هو الغير, فمن هو في نفس رتبته لا يُعدّ غيراً, فلا يصدق عنوان الغيريّة.
سؤال: أيصدرُ ذلك ممّن وصلَ إلى مقام حرم الله؟!
الجواب: نعم, فهو قد أباحَ السرّ وأفشاه, وحينئذٍ يستدرجه الله, والاستدراج يعني الهبوط والتسافل ولكنْ بشكلٍ تدريجيّ, حتّى يصلَ إلى الحضيض والانحطاط, وهي أكبر المصائب وأعظم الابتلاءات, إذ لو كان في حالة السقوط العادي, لأمكنه أن يلتفتَ إلى معصيته وطرده, ويتوجّه إلى الله ويطلب التوبة والغفران؛ ويقول: إلهي أنا عصيت, إلهي أنا اشتبهت, إلهي أرجعني وتب عليّ! وأمّا لو لم يكن يشعر بأنّه هبطَ إلى الأسفل, فهو غيرُ ملتفتٍ إلى ما حَلّ به من البلاء, لأنّه هَبَطَ بشكلٍ تدريجيّ وغير محسوس بالنسبة له.
ففي السير والسلوك يظهر للإنسان حالات متعدّدة, أي في كلّ مرتبة يطويها و في كلّ منزل يجتازه, سوف يكون له في تلك المرتبة و في ذلك المنزل حال خاصّ, ويكون لديه توجه معيّن.. ولديه إخلاص.. عنده خلوص.. عنده توجّه إلى الله.. عنده إعراض و ابتعاد عن غير الله.. وقلبه متصل بالله.. ولديه عشق بالله.
واجعلْ قلبي بحبّك متيّما [2] فأمير المؤمنين يقول: اجعل قلبي متحيّراً تائهاً بك, اجعلني مذهولاً بك, اجعل قلبي متحيّراً و والهاً و مغرماً في محبّتك.. وهو حال من الأحوال, وسوف تتكوّن لدى الإنسان مدركاتٌ فكريّة تبتني على أساس هذا الحال الذي يمتلكه, فمثلاً, لكلّ مرحلة حالاتها الخاصّة بها, والإنسان يعرف ذلك ويشعرُ بلوازم تلك المنزلة وخصوصيّاتها, وحينما يُفشي الإنسان السرّ, ويستدرجه الله ويُنزلُه, فسوف يُسلبُ منه حاله بالتدريج, إلاّ أنّ مدركاته الفكريّة تلك تبقى لديه, وذلك إنّما يتمّ درجةً درجةً, فلا يتمّ بأنْ تسلبُ منه أفكاره ومدركاته.. وهذا ما يؤدّي إلى أنْ يظلّ يتوهّم أنّه مازالَ حائزاً على تلك الآثار والخصوصيّات, فحينما يشاهد هذه الأفكار المتبقّية من تلك المراحل والحالات, يتخيّل أنّها مازالت على حالها باقية, والحال أنّه فاقدٌ لحالِه ذاك, ولمْ يبقَ سوى بعض التصوّرات والتخيّلات الذهنيّة, فالأساس هو ذاك الحال الذي فقده, فذاك الحال يعني: الخلوص, والانجذاب والانشداد, والإعراض عن الدنيا, وعشق الله, والمحبّة, فتبدأ تبردُ العلاقة وتفتر رويداً رويداً وتتنزّل, فيبدأ يعاشر الأفراد الآخرين.. ويمكن ـ لا قدّرَ الله ـ أن يشرع بالمعصية, ويبدأ يسخّف ويقلّل من شأنِ لقاء الله وقداسته.. وينال من العرفان.. فيقول: ليس السلوك سوى بعض الجلسات المشتملة على شيءٍ من الحرارة والشوق الظاهريّ.. وجلسات ليليّة.. لا واقعيّة له وراء ذلك.. ولا يمثّل العرفان إلاّ هذه العاطفة والحرارة الاعتباريّة.. فلا واقعيّة له.
وحينئذٍ يصبحُ قلبه أسيراً للدنيا, وحيثُ إنّه كان قدْ سار وسلك قليلاً, وحصلَ على بعض القوى واشتدّتْ قوّته قليلاً, فيشرع في الاستفادة من ذلك لأغراضه ومآربه الدنيويّة.
فقد أخذَ القوّة من الله, ثمّ يذهب ويصرفها في طريق الشيطان, فهو ما زال يحتفظ بتلك المدركات العلميّة, فيتصوّر نفسه أنّه وليّ الله! أو يخال نفسه أنّه عارف! ويتوّهم أنّه وصلَ إلى ذلك بالشهود والوجدان.. وفلان وفلان! والحال أنّ هذا المسكين لا يدري أنّه صفر اليدين, وأنّه سُلبَ منه كلّ ما لديه من الحالات, وأنّه مسرور وفرحان ببقايا تلك الصوَر الذهنيّة, إلى أن يبلغَ ساعة موته وتركه الدنيا, فيقول الله له: إنّك كنتَ توصل المطالب إلى الآخرين! لماذا أبرزتَ سرّي للآخرين؟!
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.