|
|
هو العليم
مباني السير و السلوك إلى الله
المحاضرة الثالثة
الجزء الاول
سماحة العلامة الراحل
آية الله الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
_______________________________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
من الأمور الهامّة جداً في السير والسلوك, والتي ما يزال علماء الأخلاق يوصون تلاميذهم بها من المرحلة الأولى حتّى الآخر كتمانُ السِّر.
السّر هو ما يقابل العلن, السرّ يعني ما ليس بظاهر, أي الشيء المخفيّ, فالشيء الذي لا يكون علنيّاً في طريق السير والسلوك ومدّخراُ, هو الأمر الإلهيّ بالطبع, أو الحال النفسانيّ, أو الهدف الذي لم يظهره الله للجميع, إلاّ أنّه أظهره لهذا الشخص, فهذا الشخص هو الواجد لهذا الحال دون الآخرين, وإفشاء ذلك لا يجوز, ولا بدّ أن يحتفظ به.
1ـ مراحل کتمان السّر
حينئذٍ, سيكون في كلّ مرحلة وفي كلّ منزلة سرٌ خاص بها, مثلاً: في المراحل العاديّة يكون للإنسان رتبة عاديّة من الإيمان والتقوى والإسلام, وحينما يجلس مع المؤمنين والمسلمين يقول: أنا مسلم, أنا مؤمن, وأنا متّقي, أنا موالي, لكنّه في بعض الأحيان فيما لو كان في الأوساط السنّية لا يستطيع أن يقول: أنا موالٍ لأمير المؤمنين, لأنّ ذلك يعتبر أمراً كبيراً بالنسبة إليهم.
وأمّا بين المؤمنين الذين يمتلكون إيماناً وقدرة على ذلك, فلو تكلّم السالك عن مطلب, وكان له نورانيّة خاصّة أو انكشف له بعض ذلك واتّضح له, فلا يحقّ له أن يبوح به لأيٍّ من الآخرين, لأنّ ذلك موهبة إلهيّة له, وإفشاؤه للآخرين له تبعات وخيمة, أمّا لو صرّحَ به للأفراد المساوين معه في الرتبة وفي نفس الدرجة, فلا إشكال حينئذٍ, لأنّ إظهاره حينئذٍ ليس كشفاً للسّر, فهو أمرٌ مفهوم ومعلوم للطرف الآخر أيضاً.
ثمّ بعد أن يتقدّم إلى المراحل الأعلى, سوف ينكشف له مطالب أعلى, وحينئذٍ سوف لا يكون هناك إلا أفراداً معدودين ممّن يستطيعون أن يشاركوه هذا التفكير ويدركوا حقيقة تلك المطالب, فبيان ذلك لخصوص هؤلاء لا إشكال فيه.
وذلك حتّى يصل إلى حدٍّ, يبلغ حرم الله ومقام الوصل ولقاء الله, أي في مقام الدخول في حرم الأمن والأمان الإلهيّ, وهناك! لا يحقّ له أن يبوح بذلك لغير الذات الأقدس, لأنّه كشفٌ للسرّ, فذاك المقام حرم, وهو سرّ الإنسان وسريرته أيضاً, فهناك ذات حضرة الحقّ المقدّس, وينبغي أن لا يُرسلَ لسانه هناك ولا يفتحه أبداً! لأنّ الكلام هناك هو نوعٌ من الإبراز والظهور, والحال أنّه مقامٌ وحرم.. فليس مقامَ الإبراز والظهور, وليس مقامَ الإفصاح باللسان.. هناكَ عالم الذات, فذاته هي المطّلعة على ذاته وهي العالمة بذاتها.
وكشفُ السرّ هناك, يعرّضه لغضب الله ومقته, لأنّ ذلك حرم.. حرم الأمن.. وهو طريق.. طريق العشق, طريق المحبّة, إذ من المحال أن يُطوى هذا الطريق بدون العشق والمحبّة, وشعار العشق والمحبّة كتم أسراره المكنونة داخل الحرم, وعدم إفشائها خارجاً.
لاحظوا فيما نراه من العشق المجازيّ , تجدون مثلاً: أنّه عندما يُبرز العاشق السرّ الذي بينه و بين معشوقه إلى الغير , يكون قد ارتكب أكبر المعاصي , بل هي معصية لا تساوَى مع ذنب, ولا يقاس إليها معصية بالنسبة لمعشوقه, فقدْ جِئتَ و أبرزتَ ذلك السرّ إلى الآخرين. فكلّ ذنبٍ يُغفرُ إلا الإعراض عنّي. فهذا السرّ الذي أفشيته للآخرين هو إعراض عن ذلك المقام وتوجّه إلى الآخرين.. إعراضٌ عن مقام الوصال و الوحدة و المحبّة والإخلاص و الوداد و الأحديّة معي, وذهبتَ و راجعتَ الغير, وهو حقيقة الذنب.. هو ذنبٌ لا يغفر.
و لذا فإنّ الله غيور. وقد قال النبيّ في رواية: إنّ سعداً لغيور وأنا أغيرُ من سعد والله أغيرُ منّي, ومن غَيرته حرّم الفواحشَ ما ظهرَ منها و ما بطن[1] فسعدٌ (سعد بن معاذ
كانَ رجلاً غيوراً, وقد نقل عنه حكايات في كتب التاريخ فيما يتعلّق بذلك.
فالفواحش هي الأعمال القبيحة , الأعمال التي يجب أن لا تظهر , وتحريمه لما ظهرَ منها وما بطن إنّما هو لأجل كونه غيوراً, يكره القبائح, وهذه الأمور قد أخفاها الله , فالله العليّ الأعلى أخفى ما يجب أن يخفيه, وهو ناتج عن غيرته.
فالأسرار التي بين العبد و بين الله, المتعلّقة بالعلاقة القائمة بين العبد وبين الله, لو أبرزها الإنسان للآخرين, فإنّ الغيرة الإلهيّة لا تسمح بذلك ولن ترضى به وهو ما يقتضي إبعاده وتبعيده.
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.