|
|
هو العليم
مباني السير و السلوك إلى الله
المحاضرة الثانية
الجزء الرابع
سماحة العلامة الراحل اية الله الحاج
السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
_______________________________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
من الشرائط الأخرى الهامّة جدّاً واللازمة للسلوك, والتي لا بدّ للسالك أن يضعها نصب عينيه: الاستقامة والتحمّل والصبر, أي تحمّل المصاعب والمشاكل المعقّدة, والصّبر على الأمور المزعِجة غير الملائمة, فيصبر عليها صبراً جميلا, لأنّ وجهة السير في هذا الطريق هو الله, ومن الواضح أنّ أيّ طريقٍ يريد الإنسان سلوكه, سوف يواجه فيه موانع ومصاعب.. موانع متعبة, طويلة الأمد, تماماً كهذه الطرق التي نسلكها في هذا العالم, فلو أراد شخصٌ أن يجتاز مسافة, ثم واجَهَ طريقاً وعراً, أو نهراً, أو خندقاً, فإن قال: لا أستطيع العبور! سيبقى في مكانه؛ مثلاً, من يريد الذهاب إلى مكّة, عليه أن يعبر النّهر ويجتاز الخندق, وعليه أن يزيل الموانع, ولا بدّ وأن يتحلّى بالهمّة العالية حتى يتسنّى له العبور وطيّ المسافة.
وطريق "السير والسلوك" مشتملٌ على موانع كثيرة, أكثر منها في الطّرق والمقاصد العاديّة الدنيويّة, ويرجع ذلك إلى طبيعة المعدّات, والشرائط اللازمة لاجتياز الطّريق, وكذلك كيفيّة رفع الموانع, فإنّها في عالم الدنيا معلومة واضحة, ومنسجمة مع النفس الإنسانيّة إلى حدّ لا يُعيرُ لها الإنسان كثيرَ أهميّة, فيتجاوزُها غير مكترث بها, وأمّا بالنسبة للسير الأخرويّ, فبما أنّه غير مأنوس للنّفس, سوف يكتسب شيئاً من الصّعوبة, وهذا هو السبب الحقيقيّ ليس أكثر, فمن باب المثال, إذا أراد شخص أن يتخصّص طبيباً, من الطبيعي جداً أنّه سيواجه موانع عديدة, وعليه أن يحطّم هذه الموانع ويكسرها, لا بدّ وأن يَتَغَرَّب, ويتحمّل الأذى والبلاء, لتنزل به ألف مصيبة, ويواجه عوائق عديدة, وحينما يريدُ أن يطالعَ ويقرأ ليلاً, عليه أن يهجر الراحة, ولا يفكّر بأيّ نزهة أو ترويح عن النّفس, ويترك كلّ ذلك جانباً, وبعد ترك كلّ الموانع, يمكنه أن يتوجّه إلى المطالعة.
وعليه, فبلوغ هذا الهدف متوقّفٌ على الحلم والصّبر والتحمّل. وكذلك من يريد أن يصير سلطاناً وحاكماً على الأرض, فإنّ الآلاف من العقبات والمشاكل تنتظره, فلا تظنّ أن هؤلاء السلاطين ورؤساء الجمهوريات قد بلغوا ما هم فيه براحة وسهولة, فقد بذلوا ألفَ مهجة لذلك, وألفَ سفرٍ بحريّ وبرّي, وكثيراً ما يجعلون أنفسهم تحت وطأةِ الفراعنة ورغباتهم, وقد يكلّفهم ذلك الائتلاف مع العدوّ أحياناً, كل ذلك كي يتسنّى لهم تجاوزَ بعضِ المِحن, أو تحصيل مقاماتهم التي يبغونها.
والأمر كذلك بالنسبة لطريق الله, فهو عبورٌ عن النّفس واجتياز للحجب الظلمانيّة والنورانيّة؛ فالحجب الظلمانيّة هي مثلُ حبّ الرياسة والبخل والحسد والعداوة والحقد, وسائر الصفات الرذيلة الكامنة في النّفس, من حبّ الجاه والاعتبارات.. فهي بأجمعها أمورٌ ظلمانيّة.
وأما الحجب النورانيّة, فهي مثلاً, كما لو كان على الإنسان أن يعبر عن مقام حور العين, وعليه أن يتجاوز المقامات الأخرويّة ويعبر عنها, ليحلّق عالياً, ويجعل هدفه وغايته الله, فلو أعطوه هناك شيئاً ثمّ لم يستطع اجتيازه, فسوف يظلُّ عالقاً عنده وماكثاً فيه.
هناك مسألة لعلها ذُكرتْ في كتاب "الشّمس الساطعة", فيما حصل للعلاّمة الطباطبائي حينما كان في مسجد الكوفة مشغولاً بالذكر, فأتته إحدى حور العين.. نعم كان حدثاً عجيباً, فحور العين قد جاءت لأجله.
سؤال(من أحد المستمعين;): ألم يكن الگلبايگاني؟! الجواب(العلامة الطهراني;): لا! حدث ذلك في مسجد الكوفة للعلامة الطباطبائي نفسه.
سؤال: نعم, نعم! ولكن السيد الگلبايگاني في.....
الجواب(العلامة;): للسيد الگلبايگاني, نعم.. ذاك حصل لـ..[7] نعم فقد رأى أنّه كان في رابية ومسبح, كان هناك جمعٌ من الفتيات كنّ قد جلسنَ حوله, إلا أنّه علم أنّه لو توجّه إليهنّ, فسوف يكون ذاك مقامه ويتوقّف هناك وينتهي الأمر, والحال أنّ هذه الحوريّات حلال زلال له, فهي له بدون أيّ شبهة.. ملكٌ مطلق بالنسبة إليه, إلا أنّ وظيفتها أن توصله إلى مقامٍ أعلى, فهي تمثّل هناك معهد تأهيل, والتكليف في هذا الصفّ الدراسي هو العبور, فعليك أن تشاهد, وترى, ثم يجب أن تعبر وتجتاز, وإلا فسوف تبقى, ولا بدّ من العبور والتجاوز إذاً, لذلك قال رحمه الله: إنّ بقائي هنا في هذه الرابية حرام عليّ, يعني ذلك ممنوع, لأنّي إنْ أنشغل بذلك فسوف أبقى في هذا الحال, لذلك قال: عليّ أن أترك هذه الرابية, وكلامه هذا صحيح ومتين جداً, ومن فضل الله عليه أن خرج, وإلا لبقيَ في تلك المرحلة.
ومثله ما حَدثَ مع العلامة الطباطبائي, حينما أتتْ إليه حور العين, حيث كانت قد تأثّرت كثيراً من عدم اكتراثه بها, وعدم اعتنائه بها, فصارت تأتيه من هذا الجانب ثمّ من ذاك, محاولةً استجلابَ اهتمامه, وكان يقول: كلمّا أتذكّر حالَ تلك الحوريّة كيف أنّها ذهبت وغادرت وتنحّت بانكسار, يحترق قلبي, لأنّي أنا الذي أحزنتها, إلا أنّه لا سبيل آخر أمامي, فأستاذي أمرني (أنّه حينما تكون متوجهاً إلى الله, عليك أن لا تلتفتَ إلى غير الله
فمن باب المثال: حينما يكون مشتغلاً بالصلاة, وهو متوجّه إلى الله, فإن كان هناك امرأة جميلة, أجمل امرأة في العالم مثلاً, ويقولون له: هذه حلال عليك, وهي زوجة لك, فانظر إليها, انظر إلى جمالها ـ علماً أنّ بإمكانه النّظر في حال الصلاة؟! نعم ـ من الطبيعي أنّه من خلال ذلك, سوف يفقد توجّهه أثناء الصلاة, وأمّا لو فرضنا أنه مستغرق في التوجه إلى الله, ثمّ في تلك اللحظة واجهته هذه المكاشفة, وخطرت على ذهنه وهو في حال الصلاة, فرأى واحدة من حور العين, ففي هذا الحال هل يمكنه أن يلتفت إلى هذه الحوريّة!! أم أنّه سيرى ذلك من الله! فهو من خلال توجهه إلى الله يكون متوجّهاً إلى ما هو أجلى وأسمى, فالخلوة مع الله لحظة واحدة أثمن من حور العين بآلاف المرّات, فكلّ حسنهنّ منه هو, جمالهنّ منه, كمالهنّ.. كلّ ذلك ظهورٌ له, فهو خلاّق جميل الصّنع, وخالق الكمال.
فالسّالك يريد الوصول إلى ذروة ذاك الجبل. وإن واجه شيئاً في سفح الجبل, كأن يرى رابية خضراء, ويشتهي المكوث فيها, ولكي يصعد قليلا إلى الأعلى, فعليه أن يتحرّك ويسير ليبلغ قمّة التوحيد, والحال أنّ الوصول إلى هذا المرتفع الشّاهق صعب ومعقّد, فعلى الإنسان أن يتحمّل البرد, ويصبر على الحرارة, ولا بد وأن يجهّز نفسه ويأخذ العصا ويحملها بيده, ويهيّئ الزاد والرّاحلة.. ثمّ مع كلّ ذلك سوف يقولون له: إلى أين ذاهب أنت؟! أيّ عمل هذا الذي تقوم به؟! لماذا صرت زاهداً؟! عزيزنا, بإمكانك أن تكون كسائر الرؤساء الآخرين.. فافعل ذلك!! واترك كذا وكذا.. ألا تهتمّ بنفسك؟! أما تستجلب السرور والراحة لنفسك؟!
فأنت ما زلت في سنّ الشباب, تعالَ وشارك في هذا المؤتمر, وفي تلك الجلسة, كي تتغلّب على الخصم وتهزمَ الطّرف الآخر! فهو أقلّ منك مقاماً, وأوضعُ منك درجة, أو إنّ فلاناً يمتلك قصراً صيفياً وآخر شتوياً.. أو إنّ فلاناً يمتلك سيّارة.. فها هي الفرص أمامك, وقد سنحت لك الآن أن تمتلك عين ذلك!! وهنا يأتي الشيطان ويوسوس له, فإنْ رضي الإنسان بذلك وعزم عليه, فسوف يبقى عالقاً في هذه الأمور وسوف يتوقف. وأمّا من يريد السّير إلى قمّة الجبل, ولا يقدرُ على اصطحاب شيء معه, حتى السّجادة الصغيرة, فعليه أنْ يَتَخلّى عن حمل الراديو والتلفزيون, ويلقيها في الحفيرة أرضاً, لأنّه لا يقدر على حمل شيء من ذلك.. عليه أن يخفّف وزن نفسه, فيقال: إنّ لباس الأفراد الجبليّين خفيفة جداًً, يرتدون أخفّ الأحذية, ولا يحملون الطعام معهم, وإنّما يتناولون شيئاً من السّكاكر أو بعضَ حبّات التمر, وحينما يشعر أحدهم بالجوع يأكل حبة تمر كي يتقوّى وينشط, وإلا فلو أراد هذا المتسلِّق أن يصطحب معه المرق والحساء ويحمل الحَجَلَ المشويّ أو طائر الدرّاج المشويّ أو الدجاج.. فسوف لن يستطيع أن يتجاوز شيئاً من مسيره..
كذلك الأمر بالنسبة للتوحيد, حيث سيواجه مصاعب كثيرة ومشاكل متعدّدة, وعلى الإنسان أن يرفعها بالتوفيق الإلهيّ, من خلال الهمّة العالية, فلا بدّ وأن يمتلك همّة عالية, ويذلّل جميع المصاعب ويرفع كلّ الموانع بالتوكّل على الله والتوسّل بالأئمّة عليهم السلام, سيّما التوسل بحضرة إمام الزمان, حضرة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف, صاحب مقام الولاية الكليّة الإلهيّة لحضرة الحقّ, الذي يمثّل الواسطة في الفيض بين الله والعباد في جميع الأزمان والأحوال, وفي الخلاء والملأ والنّوم واليقظة, فمن خلال التوكّل على الله والتوسّل به وبالأئمّة ترتفع جميعها.
مثلاً, يأتي زيد من النّاس ويقول: حضرة فلان! تعالَ نذهب هذا المساء إلى المجلس الفلانيّ.. نشارك في ذاك المجلس وتلك "القعدة" أو إلى هنا أو هناك.. نعم ذلك ليس حراماً, فهو ليس محرّم جزماً, بل هو حلال, ولكنّه لا ينفع, ما هو نفع ذلك؟! فهل هو إلا إتلاف للعمر!! ولذلك فإنّ عليه أن يقول حينئذ: عزيزي, اعتذر عن الذهاب, فأنا مشغول, لديّ ما يمنعني عن الذهاب إلى تلك الجلسة.. لا أستطيع الذهاب.. فيعود ذاك الشخص مجدداً ويقول: لمَ أنت راقد لا تخرج, وكأنك غبتَ في سجدة طويلة, كأنّك صرت صوفياً! لا تكوننّ قد شرعت بالمراودة معهم!!
فيا عجباً! هل صارت السجدة الطويلة من شعائر الصوفيين؟! بل حتى ولو فرضنا أنّ هؤلاء الصوفيين المخالفين قد قاموا بالسجود الطويل لله, فهنيئاً لهم على ذلك, فالسجدة الطويلة هي للإمام موسى بن جعفر علهيما السلام.. السجدة الطويلة لحضرة السّجاد عليه السلام.. السجدة الطويلة هي لحضرة أمير المؤمنين عليه السلام.. هل أنّ تلك الحالات والصلوات والعبادات.. هل أنّ كلّ ذلك أساطير وخرافة؟! أم أنّها لنا لنقتدي بهم ونحذو حذوهم؟! فما الذّي يقومُ به الأئمّة؟! ماذا يعني ذلك؟! إذن, وظيفة هذا السالك متابعة كلِّ من يريد أن يتحققّ بالحقّ تعالى ويصفّي قلبه ويطهّر نفسه.. ويشرعَ بإصلاحها.. ويؤوب عائداً إلى نفسه.. ويقرّب ذاته من هؤلاء العظماء ويقتدي بهم, وما إنْ يشرعَ حتى يثبَ هؤلاء الأفراد أمامه, ويقطعوا أمامه الطريق, ويعجزّوه ويوقفوه؛ ويشرعون بالكيل عليه, فيا للعجب! بحوزة هذا الشّخص سجّادة صلاة!! إنّه يتطهّر!! هو صوفيّ! يطيلُ سجوده!! لديه بعض الأذكار!! مواظبٌ على قراءتها! أصبح قليل الكلام!! صار كئيباً!! لماذا صار كذلك؟!
عزيزي, دعْ عنك ذلك, فأنت لا تدري ما الذي يختلج في قلب هذا السّالك! ماذا في قلبه! حسناً, لتبقَ أنت مشغولاً بما تحبّ, وابقَ حبيسَ جميعِ هذه القيود التي اصطنعتَها لنفسك! وتحمّل هذه المشقّات من الصباح إلى الغروب! وجميع الأعمال الدنيويّة لا تتعدّى ذلك, أمّا أنا فإني أحسُّ بالألم من داخلي وأشعر باللوعة في أعماقي, وألمي هو الله, ولن يسكن خاطري ما لم أصل إليه, ولا علمَ لك بما يشتعل في قلبي! وإلا لكنت ساكتاً مثلي, فأنا لستُ متصنّعاً بصمتي هذا, وإنّما هو من أثر تلك الغصّة.. وذاك الغمّ والحزن الكامن في قلبي.. تلك الشّرارة الملتهبة في قلبي قد أحرقت وجودي, ولا تدعني آتي إلى المجالس المألوفة بالنسبة لكم.. وأذاكر معكم.. وأقهقه معكم.. وأمزح معكم.. وأغتاب هذا.. وأغتاب ذاك.. وأسيء لهذا.. أو أُداهن.. فأمجّد وأُثني وأراوغ وأتملّق.. لا, أنا لا أقدر على فعل مثل ذلك.. قولوا فيّ ما تشاءون, فأنا لا أقدر..
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.