|
|
هو العليم
مباني السير و السلوك إلى الله
المحاضرة الثانية
الجزء الثالث
سماحة العلامة الراحل اية الله الحاج
السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
_______________________________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
قصة المرحوم القاضي مع الميرزا إبراهيم عرب
كان المرحوم القاضي ـ رحمة الله عليه ـ من كبار العرفاء والأساتذة, وكان من نوادر القرن, وكانَ أحدُ تلامذته اسمه الميرزا إبراهيم عرب يأتي إليه.. وكان عربياً يسكن في الكاظميّة, وكان يأخذ منه برنامجاً ثم يذهب, وقد وفّق للقائه الأوّل حينما كان المرحوم القاضي يذهبُ مشياً جانب الشاطئ, من مسجد الكوفة إلى مسجد السهلة ـ فالمرحوم القاضي كان مداوماً على الذهاب إلى مسجد السهلة حيث كان يبقى فيه ليالي متتالية يقضيها في العبادة ـ وكان المرحوم القاضي آنذاك كبيراً في السنّ, فكان يمشي جانب الشطّ بهدوء وسكينة, وكان الميرزا إبراهيم عرب يلتقي به ويلتمس منه دستور العمل ويطلب منه.. ويتردّد عليه.. وكان يقول: قد أَتينا بأنفسنا إلى محضركم الشّريف, لنأخذ الدستور وكذا وكذا, كما وأنّه كان من المجدّين كثيراً, وقد روّض نفسه وجاهدها, وكان قد تتلمذ عند بعض أساتذة العرفان من قبل, ولكن! لكنّه كان صفر اليدين.. إلى أنْ وصل إلى هذا الأستاذ العظيم مؤمِّلاً بمشيئة الله أن ينفتح الباب أمامه وتنفرج الأمور, ويصل إلى ذالك الهدف, ويدرك حقيقة العرفان, ويبلغ حاقّ توحيد الله, يعني إنّ كلّ هذه المدارج والمراحل التي يجتازها الإنسان إنّما هي مقدمة لذاك الهدف.
وذات مرّة كان يمشي مع المرحوم القاضي جانب الشاطئ حتى وصلا إلى مسجد السهلة, فقال له المرحوم القاضي: أخبرني ما هو شغلك؟
فأجاب: لا عمل لديّ. فسأله ثانية: لمَ لا تشتغل؟
فأجاب: لأنّي أحصلُ على كلّ ما أريده في لحظة واحدة, فما إن أطلب الشيء حتّى يتحقّق ويكون جاهزاً مباشرة, أنظرْ كيفَ سيخرجُ من الماء سمكة الآن! وما إن قال جملته هذه, حتّى خرجت سمكة من الماء مباشرة, فكلّ شيء نريده يتحقق لنا بهذا الشّكل...
إلا أنّ المرحوم القاضي لم يتكلّم بشيء, حتّى انقضى حديثهم بوصولهم إلى مسجد السهلة, ثمّ بعد أن أعطى المرحوم القاضي الدستورات والتعاليم للميرزا إبراهيم قال له: يجب عليك أن تعمل, فالشّغلُ والعمل أحدُ تعاليم الإسلام, وعليك أن تعمل.
ومن ذاك الحين لم يعدْ للمرحوم الحاجّ ميرزا إبراهيم عرب شيء من تلك الأحوال, فلم يعد يحصل له ما يريد.. ولم تعد السمكة تطلع من الماء.. وإن أراد قمحاً أو أراد خبزاً أو ماءً.. فلا شيء يتحقّق أبداً, انتهى الأمر وانقضى, فالمرحوم القاضي سلب منه في نفس ذاك المجلس ما كان لديه.
فهل تنبّهتم!! ذلك لأنّه يريد أن يأتي إلى صراط التوحيد.
ماذا يعني صراط التوحيد؟ يعني العبوديّة, أن يصير عبداً, عبداً لله, فما معنى أن أريد سمكة!! أو أريد دجاجة!! أو غير ذلك من الأطعمة وغيرها.. أو أنْ لا أعمل.. فما معنى ذلك؟! يجب على العبد أن يتنبّه ويقول: ماذا أمرني مولاي؟ ماذا قال النّبي؟ وإنْ تحضر أمامه جميع موائد الدنيا وأصناف أطعمتها, فإنّه بإرادة واحدة ثابتة يقول: أنا حاضرٌ أنْ آكل الخبز والخلّ, لأنّ الله قال ذلك, ينبغي أن يقول: إنّي أحمل المعول على كتفي, وأذهب مثل أمير المؤمنين, فأشقّ مجرى للماء, وأغرس فسائل البلح, لأنّ مولاي راض بذلك, وحقيقة المسألة من هذا الباب, والحالات التي يمتلكها أولياء الله موجودة بشكل أشدّ وأقوى عند النّبي والأئمّة الأطهار وأمير المؤمنين, فإنّهم وبإرادة واحدة قاهرة يُحيُون ويتصرّفون.. ومع ذلك كيف كان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل المحراث بيده, ويذهب إلى بستان النّخيل ويغرس فسائل البلح ويشقّ القناة, وكان يعرَقُ ويتعب وغير ذلك.. ألم يستطع من خلال إرادة واحدة أن يفعل مثل الميرزا إبراهيم عرب! ليُخرج إلى الشاطئ سمكة فيقليها ويأكلها! فبحوزة هؤلاء قدراتٌ هائلة لا يمتلك شيئاً منها مائة ألف شخص أمثال الحاج الميرزا إبراهيم عرب, ولا بدّ لمن يطلب الوصول إلى مقام التوحيد أن يتجاوز عن هذه المسائل, والمرحوم القاضي حينما أعطى الميرزا إبراهيم الدستورات وأدخله عالم التوحيد, أخذ منه هذه الأمور, فقد كان يمتلك الكثير من هذه الحالات العجيبة, وكذلك كان لديه حالات توحيديّة أيضاً. وأنا لمْ أرَ الحاج ميرزا إبراهيم عرب, فقد توفي في ذاك الزمان الذي كنّا فيه في النّجف, توفّي بالكهرباء في الكاظميّة, حيث كانوا يعلّقون بعض الزينة في الشارع أمام دكانه, فتوفي بسبب اتصال كهربائيّ.. وكان رجلاً عظيماً ممّن كانوا قد وصلوا إلى عالم التوحيد.
فلا بدّ في عالم العرفان, والسير والسلوك, أن يكون العمل لله, سواء شاهد الإنسان رؤيا أم لم يشاهد, ولا يتوجّه إلى ذلك ولا يسعى إليه, وإن ظهرت مكاشفة, فالله هو الذي أعطى, وأمّا لو لم يُعطِ, فلا يتعقّبها ولا يطلبها, فما يعطيه الله من نفسه هو المهم والمثمر, لا الذي يطلبه الإنسان!!
فمن بداية الطريق لا بدّ وأنْ ننحّي طلبَ غير الله جانباً, فالرؤيا التي يراها الإنسان من تلقاء نفسه وبدون سابق تفكير هي الرؤية النافعة, إذ أنّ الاتصال بالأرواح المجرّدة والالتقاء بها أمر مفيد, كما وأنّ مشاهدة عالم الأنوار أمر حسن, لكن بشرط أن لا يطلبها الإنسان ولا يسعى نحوها, وإنّما يقدّمها الله له بذاته, فهذا هو الشيء القيّم والنّافع.
وعليه, ينبغي من بداية الطريق حتّى نهايته, أنْ لا يكون في فكر السّالك غير الله, ولا يعملنّ لغير الله, ولا يجعلَ شبيهاً لله, ولا يُبْدِلَ عمله وهدفه بما دون الله, وإن انكشف له شيءٌ أثناء سيره, فهو.. وإن لم يظهر شيئاً, فلا ضير.. إذْ ليست المكاشفة ميزاناً للقرب, ولا عدمها دليلٌ على البعد, فعلامة القرب هي التوجّه إلى الله, والتوجّه إلى ذكر الله, والورود في حرم الله, وعلامة البعد هي عدم الرغبة في العبوديّة, وعدم الشّوق إلى ذكر الله وعدم التوجّه إليه, وعدم الاعتناء بالكثرات والأمور الشهوانيّة, والغفلة عن الله والإعراض عنه, وحبّ الجاه والمال والرياسة, أو الشّغف بتلك الأنوار العليا النورانيّة وأمثالها التي تعتبر حجباً نورانيّة, فكلّ ذلك يفنى, ويبقى الله ولا غير, هذا هو علامة القرب.
ولذا ورد في الدعاء:
((اللهمّ ارزقني التّجافي عنْ دارِ الغرور, والإنابةَ إلى دارِ الخلود والاستعدادَ للموت قبلَ نُزوله;))[6]
فعلامة صحّة الطريق أنْ يتأمّل الإنسان في أعماق نفسه, ويبحث وينظر ما إذا كان توجّهه منصبّاً على ذاك العالم ومتوجّهاً إليه, إلى عالم الحقيقة والواقع, إلى عالم النّور, إلى عالم الطّهارة, إلى عالم الصدق, إلى عالم الخلوص, ثمّ يراقب نفسه هل هي معرضة عن دار الغرور والاعتبارات والأوهام؟ هل يرى من نفسه عدم الاعتناء بالخواطر والأفكار التي لا طائل منها؟! سواء النّزاعات الفرديّة والخصومات أم الصّراعات النفسيّة وحبّ التغلّب على الآخرين, فهذا يكسر ذاك, وذاك يطحنُ هذا, أو ليصيرَ مقام فلانٍ أعلى, أو ذاك يصير أعلى.. أو أنّ فلاناً يجمع من المال أكثر من ذاك.. وما شابه هذا الكلام, ممّا لا ينقطع عن الإنسان إلا بموته, فينبغي أن لا يفكّر في شيء من ذلك.
علامة صحّة الطريق هي أن يزداد اهتمام الإنسان بذاك العالم, ويتنحّى عن هذا العالم, ويهجره تدريجيّاً حتى يكون قبل الموت مستعدّاً, أي يكون قد سار إلى عالم المجرّدات, وتحرّك نحو عالم القدس, وأدرك عالم الخلوص قبل نزول الموت, هذا هو علامة صحّة الطريق, وحينئذٍ لا فرقَ بين أن يكون لدى الإنسان أثاثٌ وسجادٌ أم لا.. فليس وجود ذلك مضراً, ولا عدم وجوده مفيدا.
بل المسألة تتجاوز ذلك, لينتهي الأمر بالإنسان إلى بلوغه رتبة العبوديّة لله, فمثلاً, السجّاد إنّما يوضع على الأرض, ولا يدخل إلى قلب الإنسان وتفكيره, وأمّا لو صار موضع السجّادة هو القلب بأنْ صار الإنسان متعلّقاً به قلبيّاً, فحينئذٍ تكون حبائل هذا السجّاد قد أحاطت بالقلب وأغلقته, فهذا بلاء ومصيبة, والمشكلة تبرز هنا, سواء امتلكها أم لا, بل حتى ولو جلس على الحصير, فالمهمّ هو أن لا يكون في قلبه حبّ ذلك السجّاد, فلا يرى أيّ تعلق أو اعتناء به في قلبه, لأنّ حقيقة ذلك جهنّم. وأما لو كان بحوزته سجّادة ولكنّها لم تُلقِ بحبالها على قلبه, ولم يتعلّق بها, وإنّما يجلس عليها لأنّ الله أراد منه ذلك, لأنّه إن يجلس مثلاً على سجّادة وضيعة جداً أو حصير عاديّ, فسوف يظهر للنّاس بمظهر الزاهد, وحينئذ يُعنوِنُه النّاس بالزّاهد وينعتوه بذلك حسبَ عرفهِم وعاداتهم, ويؤول الأمر إلى منحه صفة التقديس.. والحال أنّه يجب على الإنسان أن يعتدلَ بالنسبة للأعراف والرسوم والعادات, فلا يغرق بها ولا يتوغّل فيها, وكذلك لا يهمل, ليكونَ ممّن يشارُ إليه بالبَنان, ويقال: أنظرْ إلى ذاك الزاهد!! وإنّما عليه أن يمنع كلام النّاس ويقوم بتكليفه وبرنامجه, وحينئذٍ ينتفي الضّرر.
فلا مانع من أن يكون لديه منزل يرفع من خلاله حاجته واحتياجات عياله, ويرتاح من قلق الإيجار ويستقرّ باله, فكلّ ذلك حسابات إلهيّة, غير شيطانيّة ولا نفسانيّة, وأمّا لو كان لدى الإنسان سجّادة مثلاً, أو كان يمتلك جبلاً, لكنّه يعتدّ به ويحسِبُ له في قلبه حساباً, وحينما يأتي الأمر الإلهي: أنفقْ وأعطِ.. لا يحتمِل الإنفاق, أو اعمل كذا.. فلا يعمل, تماماً كأحد الدراويش حيث كان يحبّ عصاه أو الصّرة التي كان يحملها, فهي حجاب بينه وبين الله, لأنّ نفس هذه العصا ونفس هذا الكيس حجاب. وأمّا لو كان شخصٌ يسكنُ في روضةٍ قربَ جدولٍ من الماء.. إلا أنّ قلبه غير ملتفت إلى ذلك أصلاً, فلا ضرر في ذلك.
فالعرفان مسألة دقيقة ولطيفة وظريفة وتحتاج إلى براعة, ولا يمكن أن يحصل لدى الإنسان عرفان من خِلالِ التوهّم والتخيّل والتصنّع, وإنّما العرفان متقوّم بالحقّ والواقعيّة, لأنّ وجهة السير فيه, هي الحقّ, فهو يُخرجُ كلّ الأوهام والخرافات, ويطردُ الشوائب والإضافات, ويزيل الاعتبارات الدنيئة والتقيّدات الضيّقة ويحرقها, ليتحرّك الإنسان إلى عالم رفيع, إلى تفكير رفيع المستوى, إلى نيّة راقية.. إلى صراطٍ عال جليل, هذا هو أثر العرفان.
فعلى الإنسان أن يتنبّه إلى أنّ الإطاعة مختصّة بالله, وعلينا أن نشكر الله على ذلك ونخرّ له ساجدين حينما ننهض من الفراش ونقول: >الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور< فنشكره أنْ بعثنا وأحيانا ثانية لنسير ونسلك إليه. >الحمد لله الذي ردّ عليَّ روحي لأحمده وأعبده< فلأيّ شيء رجوعي من الموت واستيقاظي من نومي ثانية؟ "لأحمده وأعبده", فالعبادة لله, وأيّ عمل يقوم به السّالك ليس لنفسه وإنّما هو لأجل الله, وهذه المسألة مهمّة جداً.
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.