|
|
هو العليم
مباني السير و السلوك إلى الله
المحاضرة الثانية
الجزء الثاني
سماحة العلامة الراحل اية الله الحاج
السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
_______________________________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
غاية السالك في عمله هو الله
يجب على السالك أن يعمل لأجل الله, يصلّي.. يصوم.. ينفق.. يقوم بأذكاره... كلّ ذلك فقط لله, لأنّك أنت أمرت, فأنا أقوم به, فأنا عبد.. ويجب عليَّ أن أقوم بالعمل ولا غير, ولا ينبغي أن يكون في قلبي شيء آخر, كأن أعمل لكي أشاهد رؤيا حسنة... نعم, إنْ تزكّت نفسُ الإنسان فسوف تشاهد المنامات الحسنة بالطبع, ولكن ينبغي أن لا يقوم الإنسان بالعمل على أساس هذه النيّة, فيطلب حصول المكاشفة, أو يعمل ليطّلعَ في اليقظة على بعض المعاني, أو يظهرَ له حال معين, ليخبرَ عمّا في أفكار الناس وأذهانهم وخواطرهم, فيقرأ أذهان الناس ونفوسهم: ماذا فعل فلان البارحة؟! وماذا سيفعل غداً؟! أو أنْ يقوم الإنسان بعمل معين, من كيمياء[2] , أو شفاء مريضٍ مّا بإرادة خاصّة, أو تصرّف معيّن في موادّ الموجودات, كأن يهدم جبلاً من خلال إرادة خاصّة, أو يحرّك قطاراً.. أو يجلب كذا.. ويحضر كذا.. وأمثال ذلك, كلّ ذلك خارجٌ عن دائرة السّير والسّلوك, ومخالفٌ لمسلك العرفان وطريق الله, لأنّ جميع هذه الأهداف قليلة ودنيئة, لأنّها ما دون الله, والحال أنّ الغاية في طريق العرفان هي الله, والفناء في ذاته, وهذا هو عرفان الله. افرضوا أنّ إنساناً يسعى ويجاهد نفسه, حتّى استطاع ـ مثلاً ـ أنْ يطّلع على ما يتحدّث به طائرا الحمام (الأنثى والذكر
في حال طيرانهما الآن في الهواء؟ وأمكنه أنْ يخبر بذلك, وكان ما أخبر به صحيحاً.. أو أن يقوم برياضة خاصّة فيدركَ لغة الدجاج (أو منطق الطّيور
ويطّلع عليها اطلاعاً دقيقاً وصحيحاً.
حسناً, أيّ كمال في ذلك بالنّسبة لنفسه وذاته؟! فهو ليس كمالاً لنفس الإنسان, وإنّما هو كسائر الكمالات والعلوم الدنيويّة التي يمتلكها النّاس, هي علوم دنيويّة, فبعضهم مثلاً, يستجمع الأخبار بواسطة هذه الآلات الحديثة من آخر الدنيا, راديو.. رادار.. وما شابه ذلك, وبعضهم أيضاً, من خلال نفوسهم يشرفون على بعض المخلوقات: بماذا تتكلّم هاتان الحمامتان؟ أو ماذا يوجد خلف ذاك الجبل؟ وهو نوع من العلوم وقسم منها, ولا يعدو كونه دنيويّاً ينتهي أمده بالموت, ولا يستوجب للإنسان أيَّ كمالٍ في النشأة التالية وبعد الموت, فلا يوجب له القرّب إلى الله, فالذي يبقى له ليس كمالاً حقيقياً.
جاء أحد المرتاضين إلى حضرة الإمام الصادق عليه السلام, فسأله الإمام: أمسلمٌ أنت؟
قال: لا, لستُ مسلماً, أنا مشرك, ثمّ قال: باستطاعتي أن أخبركم عن الأشياء, ولديَّ إطّلاع على كذا.. وأعلم الغيب.. وشرع يتكلم بذلك.
فقال له الإمام: حسناً, قل لي ماذا في يدي؟
فأخذ يفكّر وقال: هي بيضة للحمامة الفلانية الموجودة خلف الجبل الكذائي في ذاك المكان المعين, فقد جلت جميع الأماكن ورأيت أنّ كلّ شيء ما زال على حاله إلا بيضة الحمام تلك, فعلمت أنّها في يدك.
ففتح حضرتُه يدَه وقال: إنّ ما قلتَه صحيح, ثمّ قال له: كيف وصلتَ إلى هذا المقام؟
فأجاب: بسبب مخالفة النفس. فقال الإمام: أسلم.
أجاب: لا أُسلم. فقال له حضرة الإمام: خالف نفسك في ذلك. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله. فأغلق الإمام يده ثانية, وسأله: ماذا يوجد في يدي؟ فلم يعرف, ومهما فكّر لم يعُدْ ينكشفُ له شيء.
ففتح الإمام يده وقال: هي تلك البيضة. أنظر..
انتهى كلّ شيء.. فقد وصل الأمر إلى التوحيد, يعني قد وصل من خلال هذا التشهد "أشهد أن لا إله إلا الله" إلى نور الله وارتباط خاص بالله, وأصبحت جميع هذه العلوم بالنسبة لذلك صِفراً, ونُزعَ منه الآن كلّ ما كان بحوزته, لأنّ تلك العلوم والدراسات (والشهادات
كانت لعالم الدنيا, لعالم المادّة, وقد تحمّل المشقّة والمعاناة للحصول عليها, إلا أنّ حقيقته أَدْوَنُ منَ الله, وغير متّصلة بالتوحيد, وأما الآن فهو في تلك النقطة من التوحيد, في ذروة التوحيد, فما يفاض من هناك إلى هنا هو الثمين وهو الباقي {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} [3] فالإمام كان قد أخذ البيضة وأبداها بواسطة نور إلهيّ, وعلم ذلك يبقى عند الإمام, ولذلك استطاع أن يحضرها في المرّة الثانية, وبقي على علم وإحاطة بكلّ العالم, ولم يبق هذا العلم عند ذاك المرتاض, لأنّه كان ضالاً في طريقه, وحينما أسلمَ وصل إلى التوحيد.
يجب على الإنسان أن يعمل لله, وينبغي على العبد أن يعمل لسيّده, وليس اختيار العبد بيده, العبد ملك لسيّده, يعمل لله فحسب, وما يعمله لغير الله فإنّ قيمته ذاك الهدف وتلك الغاية, فلو بادر شخصٌ بالسّلام على شخصٍ آخر بقصد أنْ يسلّم ذاك عليه, فإنّ قيمة عمله ذاك السّلام فحسب, وذاك هو أجره, ولا يتوقّع أكثر من ذلك, وأما لو سلَّمَ شخصٌ بنيّة إدخال البهجة والسرور على الآخر, أو افرضوا أنّه دعا له بهذه النيّة, فهو مطلبٌ أرفع وأسمى سواء أجاب السّلام أم لا.
يقوم الإنسان ببعض الأعمال طالباً أنْ يدخله الله الجنّة, فهذا فعلٌ حسنٌ والجنّة جيدة جداً, ولكن لنا أن نسأل: هل الجنّة بنفسها أفضل وأعلى من الله أم أنّها دون الله؟! نعم الجنّة بما هي ظهور الله ومظهرٌ لإرادة الله ومشيئته, فهي تجلٍّ لله, لأنّها مخلوقة له, وآيات الله متجلّية في جميع أحوال الجنّة والله هو الظاهر من خلالها, وهذه الجنّة المعطاة, إنما يقبلها الإنسان لأنّها موضع رضا الله وعنايته وإرادته.. وأما لو عمل الإنسان لأجل الجنّة بما هي موضع لذّة, لأجل حور العين وأمثالها, وكان عمله لأجل ذلك فقط, فإنّ الله يعطيه هذه الجنّة, لأنّه عملَ لأجلها, إلا أنّه لا يستحقّ ما هو أعلى منها, ولا يستطيع أن يقول: إلهي أنا أريد لقاءك أيضاً, ولا يحقّ له أن يسأل ويعترض: إلهي لماذا وضعتني في الجنّة ولم توفّقني إلى لقائك؟ ولم تجعلني في مقام الرضوان {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [4] ولماذا لا يصدق هذا عليّ أنا؟ لأنّ الله سيسأله: ما هو هدفُك منْ هذا العمل؟ هل كانَ لأجل حور العين؟ الأشجار؟ جنّات تجري من تحتها الأنهار؟ حسناً, لك ذلك.. كذلك لو عمل الإنسان خوفاً من جهنم, فإنّ الله لا يدخله إيّاها, فلا يدخل جهنّم, لكن ليس من حقّه أن يقول لله يوم القيامة: إلهي.. أنا أريد لقاءك, أريد أن أُحشر في زمرة جُلسائِك, الذين يتحدّثون ويتكلّمون معك, وأكون كليمَ الله... لا, لأنّك لم تعمل لهذا المقام, نعم! كنتَ قد عملت للخلاص من جهنَّم, وهو لك.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: النّاس ثلاث طوائف:
((إنّ قوماً عبدوا الله رغبة, فتلك عبادة التجّار, وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة, فتلك عبادة العبيد, وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار;))[5]
فعبوديّة الطامعين بالجنّة هي عبادة التّجار, وعبوديّة الخائفين من جهنّم عبادة العبيد والغلمان الذين إنّما يطيعون لأنّهم يخافون من مولاهم. إلا أنّ هناك فئة من عباد الله, يعبدونه حبّاً له, يريدون الله, نعم هذا لا يعني أنّهم يتحمّلون جهنّم ويحبّونها.. لا أبداً, كما ولا يعني ذلك أنّهم لا يستأنسون بالجنّة ولا يسرّون بها.. لا أبداً, وإنّما كان عملهم وسعيهم لله فحسب, فقلبهم متيقّن بالله مخبتٌ له, مذعنون بأنّ عملنا.. وأجرة عملنا.. ونيّتنا.. واعتقادنا.. لك أنت, إنّا تائهون بك وبحبّك, نحن عبيدك أنت, نعمل لأجلك, إن تُردْ أن تضعنا في جهنّم! أو تضعنا في الجنّة! لا نتدخل.. فأنت وُجْهتُنا ونحن نسير إليك أنت .
ففي عالم العرفان, ينبغي أن يعمل السالك لله, فلا يعملنّ ـ لا سمح الله ـ من أجل مشاهدة رؤيا في نومه!! أو ليتّفق له حصول مكاشفة!! أو ليتحسّن حاله! أو ليحصل على المقامات والدرجات!! كأن يُرتقى به يوم القيامة فيجلس على منبر الوساطة للخلائق, أو يُعطى مقام الشّفاعة, أو أكون مثلاً جليس الملائكة.. كلاّ.. أبداً.. لا مجال لهذا الكلام, عليّ أن أعمل لأجل الله فحسب, وإن يأتِ جبرائيل ويقول للسالك: أيّها السّالك ما الذي تريده؟! أنا أعطيك كلّ ما تريده, وقد أمرني الله أنْ أطوف بك في الجنّة.. أو ما هو أعلى من ذلك.. حينئذٍ ماذا يجب على السالك أن يقول؟ عليه أن يقول: أنا عبدٌ لله, مولاي هو ذات الله, ولا أريد شيئاً سوى الله ولا أختار لنفسي شيئاً.
فإن يقل له ثانية: يريد الله أن يعطيك مقام الشّفاعة, اقبل, واختر ذلك لأعطيك إيّاه! فيجب أنْ يقول: أنا عبدٌ لله, إنْ يعطِ فَمِنْهُ, وإن لم يعطِ فله الاختيار, أمّا أنا فلا أقوم بأي اختيارٍ مقابل الله, ولا أختار مقام الشفاعة الكبرى لنفسي مقابل الله ومقابل اختيار الله!! لا أبداً.. بل عليّ أن لا أقوم بفعل ذلك أبداً.
يأتي جبرائيل ويقول: أجعلك ترتزقُ بدون صعوبة ولا تعب, ودون أي كلفة أو مشقّة, فالله يرزقك مباشرة.. هل تريد ذلك؟! وهنا, إن يقبل الإنسان ويقول: نعم, فإنّ الله يعطيه ما يشاء, وبهذا تنتهي المسألة ويتمّ الأمر.
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.