|
|
مباني السير و السلوك إلى الله -
{ المحاضرة الأولى }
- الجزء الاول
هو العليم
سماحة العلامة الراحل اية الله الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني
__________________منقوله من موقع المتقين _____________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
الهدف من خلق الإنسان إنّ الهدفَ من خلقة الإنسان هو بلوغُ مقامِ العبودية, بحيث يرى نفسه عبداً قنّاً لله, ويسير في طريق العبوديّة المطلقة دون قيد أو شرط, فيرى كلّ ما هو في عالم الوجود, من الوجود والاستقلال والحياة والعلم والقدرة المتخِّذة نحواً مستقلا, يراه مسلّماً لله معترفاً به, مقرّاً بأنّ ذلك لله,
يرى أنّ الفقر والعدم والجهل إنّما هو من ناحية الإنسان نفسه, وأنّ الإنسانَ عبدٌ متمحّضٌ في عبوديّته لله, سواء في أصل وجوده أم في مقام التكليف والعمل.
وهذا هو مقام الإنسان الكامل وهو أكبر درجة قد أنعم بها الله العليّ الأعلى على الإنسان. فلا بدّ لسائر الأفراد الذين يعيشون في هذه الدنيا, أن يسيروا نحو هذا المقام, ويسعوا لبلوغه, ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإنسان من أهل هذه الشريعة أمْ تلك, أو هذا المذهب أو ذاك, أو كسائر الأفراد العاديين.. فالأنبياء أَتَوا ودَعَونا إلى هذا المقام, ونبيّنا يدعونا إلى هذا المقام, والقرآن يدعونا إلى هذا المقام, فإنْ نعمل ونلتزم بالقرآن وبسنّة رسول الله والأئمة, أي نسعى بصدق وإخلاص, ولا نُنقصُ ولا ندخل شيئاً من أنفسنا ولا نضيف, بلْ نتحّرك على أساس صراط العبودية, فسوف ندرك هذا المقام ونصل إليه. وأمّا ما يُرى من بعضهم ممن قضَوا عمرهم, ستون سنة أو سبعون أو ثمانون سنة.. ثمّ لم يبلغوا ذلك المقام ولم يصلوا إليه, فذاك لأنّهم لم يلتزموا عملاً وفعلاً. فهم مطّلعون على القرآن وقد مرّوا على الأخبار وقرؤوها وتعلّموها, لكنّ علومهم هذه, لم تكن إلا لتحصيل الأمور الدنيوية.. فالمال بقيَ على حاله, وكذلك الجاه, وطلب القدرة والسيطرة والغلبة, وحبّ الرياسة وأمثالها, فقد جعلوا جميع العلوم القرآنية والتفسيريّة, والحديث والحكمة وعلوم الشريعة.. كلّ ذلك فداءً لحطام الدنيا,
فمن الطبيعي جداً أن يُزَخرِفَ حطامُ الدنيا للإنسان ويزيّنُ له, لكنّها في الواقع تجارة باخسة, وصفقة خاسرة, وفائدة قليلة جداً جداً, فبذل رأس المال وهدره مقابل هذه النتيجة الضئيلة خسارة لا تُثَمَّن, وقد ورد في القرآن: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ } [1] . فهو خطاب للنبي ضمن آيات سورة النّجم, أيّها النبي أعرض عمّن أعرضَ عن ذكرنا ونسي ذِكرانا, فليس لهؤلاء إلا الحياة السفلى الدنيئة, حياة الشهوات والإحساسات والعاطفة, وليس لهم أيّ سبيل للترقّي إلى الأعلى, فهم لا يعتقدون بوجود حياة أفضل من هذه الحياة الدنيئة, ولا يتوجهون إلى غير ذلك ولا يتحركون نحوه. {ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ} فأعرض عنهم, فهم لا ينفعونك ولا يضرّونك بشيء,
فالمهمّ هو تلك الحياة العليا, حياة العلم, حياة القداسة, حياة العبوديّة, حياة الصدق, حياة الورع, حياة الإيثار, والتجاوز عن الذات, حياة الوجدان والعاطفة, حياة العبوديّة والسير في صراط حضرة الأحديّة, حياة سَحقِ رغبات النفس الأمّارة, فتلك هي الحياة.. تلك هي الحياة.. تلك هي الحياة العليا.
فإذاً, يجب علينا في هذا المسير أنْ نسلكَ لنصلَ إلى الدين ونحطّ على شاطئ الشريعة الغرّاء, ونطّلع على حقيقة الدين, ويتحقق فينا هدفُ بعثة الأنبياء والمقصود من الكتب السماوية, فلنعمل إذاً, ولنحقّق الإرادة الإلهية من خلقنا, سواء الإرادة التكوينيّة أمْ التشريعيّة, ونسير في صراط الرشد والرفعة, لا في صراط الضلال والغيّ والسفه, وركوب مشتهيات النفس الأمارة, وإنْ عَملنا, فلا يكونَنّ عملنا مغايراً لما في كتاب الله وسنة نبيّه والأئمة, فما عندنا هو منهم, وبالقدر الذي يتخطّى أحدنا عن ممشى هؤلاء, حتّى لو كان بقدر رأس إبرة فإنّه مشتبه وضالّ.
فنحن نعتقد أنّ المربّي الأول والأعلى هو حضرة الرسول وأمير المؤمنين وأولاده, فلا بدّ وأنْ ننهل من تلك المطالب التي وصلتنا من القرآن, ونأخذ من كلماتهم وبياناتهم فيما يتعلّق بالسنّة أو المنهاج الذي نسير عليه, فالطريق الأفضل والمتعيّن هو نفس الطريق الذي ساروا عليه هم أنفسهم دون أيّ شبهة أو تردّد, طريقٌ مملوء بالروح والروحانية.. وهو الأسلم والآمن من سائر الطرق, وهو الطريق المستقيم نحو الهدف, فالطريق المستقيم هو الواقع بين نقطتين, ولا يتحقّق إلا بخطٍّ مستقيم واحد بينهما {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [2] كذلك قوله تعالى {وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً* وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } [3]
فعلينا أن نسيرَ نحو هذه الحقيقة, وحينئذٍ نبلغُها ونصلُ إليها. فأوّل ما يجب علينا مراعاته أثناء سلوكنا لهذا الطريق ـ بعد التنبُّه واليقظة ـ أن نرجع إلى أنفسنا ونرى ماذا نكون نحن وماذا نمثّل؟ من نحن؟ فنحن إنسان نستيقظ في الصباح, نمارس العمل حتى الليل ثم ننام في الليل, وغداً يتكرّر ذلك, وبعد غدٍ سوف يتكرّر, وكذلك في المستقبل, وكلّ فرد من بني آدم يشغل نفسه بعمل ما, ولا يلتفت إلى سبب هذه الأعمال؟ لماذا أتى؟ لأيّ هدف؟ وما هو هدفه وغايته؟ لماذا انصرم هذا اليوم ومضى؟ فهذا اليوم يمثّلُ رأسَ مالِ عُمْرِ الإنسان الذي أعطاه الله إيّاه, فلماذا انقضى ؟ وماذا أنتجَ الإنسان مقابل هذا اليوم المنصرم؟ فإن حصّل شيئاً وربح, فهنيئاً له, قد مضى من عمره يومٌ واكتسبَ في قباله شيئاً, وإن لم يكتسب شيئاً فهو مغبون, يقول رسول الله: (من استوى يوماه فهو مغبون;)[4] وعليه, كيف انصرم هذا اليوم الذي يمثّل العمر بأكمله, والذي بأجمعه يعدُّ يوماً واحدا؟
[1] ـ سورة النجم آية 28 وصدر آية 29.
[2] ـ سورة الفاتحة الآية 6 و7.
[3] ـ سورة النساء الآية 67 و68.
[4] ـ بحار الأنوار 68: 220 نشر مؤسسة الوفاء بيروت ـ الطبعة الثانية 1402هجريّة.
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.