|
|
مباني السير و السلوك إلى الله
- { المحاضرة الأولى }
- الجزء الثاني
مباني السير و السلوك إلى الله المحاضرة الأولى سماحة العلامة الراحل اية الله الحاج السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني ____________________ منقوله من موقع اليقين ___________________________________________
أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
: الهدف من خلق الإنسان
: اخر ما ذكر في المحاضره السابقه { فأوّل ما يجب علينا مراعاته أثناء سلوكنا لهذا الطريق ـ بعد التنبُّه واليقظة ـ أن نرجع إلى أنفسنا ونرى ماذا نكون نحن وماذا نمثّل؟ من نحن؟ فنحن إنسان نستيقظ في الصباح, نمارس العمل حتى الليل ثم ننام في الليل, وغداً يتكرّر ذلك, وبعد غدٍ سوف يتكرّر, وكذلك في المستقبل, وكلّ فرد من بني آدم يشغل نفسه بعمل ما, ولا يلتفت إلى سبب هذه الأعمال؟ لماذا أتى؟ لأيّ هدف؟ وما هو هدفه وغايته؟ لماذا انصرم هذا اليوم ومضى؟ فهذا اليوم يمثّلُ رأسَ مالِ عُمْرِ الإنسان الذي أعطاه الله إيّاه, فلماذا انقضى ؟ وماذا أنتجَ الإنسان مقابل هذا اليوم المنصرم؟ فإن حصّل شيئاً وربح, فهنيئاً له, قد مضى من عمره يومٌ واكتسبَ في قباله شيئاً, وإن لم يكتسب شيئاً فهو مغبون, يقول رسول الله: (من استوى يوماه فهو مغبون
وعليه, كيف انصرم هذا اليوم الذي يمثّل العمر بأكمله, والذي بأجمعه يعدُّ يوماً واحدا؟}
فجميع هذا العالم العيني هو يوم نحياه, ونرتبط فيه مع حركة الشمس والقمر والمجرات, أحضروا جميع الذرّات, كلّ أشجار العالم, جميع حيوانات العالم, كلّ موجودات العالم, كل ذلك مرتبط ببعضه البعض ويشكّل وجوداً واحداً, وجميع ذلك مؤثر في "يوم الحياة",
بحيث لو عُدم هذا اليوم المتكامل من عالم الوجود لانهدمَ عالم الوجود بأسره. فإذاً, جميع ذلك إنّما هو لأجل أن نحيا هذا اليوم الذي يمثّل دائرة الحياة بأكملها, وكلّ ذلك لأجل أن نخطوَ إلى الأمام قُدماً, ونرفعَ ـ يوماً مّا ـ ستارَ الغفلة عن عيوننا, ليُكشفَ الغطاء, ونعرف خالقنا, ونبصرَ مسيرنا, ونبلغَ هدفنا, وندرك مبدأنا ومعادنا, وإِنْ يحصلْ ذلك لنا فسوف يلفّنا السكون والهدوء والسرور, وسوف ندرك الحظّ الوفير والنورانية لنحيى مع كامل النشاط, مثل الطالب المحصّل يوم الامتحان الذي أصبحَ الشخصَ المبرّز والتلميذَ الأوّل, فيأخذ ورقته بيده ولا يخاف من شيء.. فهو مقبول.. قد قُبِل.
وأمّا لو غرق في الغفلة ـ لا سمح الله ـ فتدركه ليلة الامتحان وهو مقصر, عليه أن يقوم بدراسة سنة كاملة في تلك الليلة, وغداً يلتمسُ من هذا.. ويقول لذاك التلميذ: فلان!! ساعدنا.. لا تنسانا في الامتحان... فهذا موجبٌ لعدم الموفقيّة ومستوجب للخجل والتأسّف.
فأوّلُ ما يجبُ علينا في هذا المسير هو السير والحركة, ولا بدّ لنا من الالتفات إلى أنّنا مسافرون في طريق الله, ولدينا مقصد وهدف, والمسافر هو نفسنا, والمقصد هو الله, والطريق الذي سوف نسيرُ فيه لا نهاية له فليس هو كبلوغ رأس جبل ما, وإنّما هو عبورٌ عن النفس وصفاتها. يعني يجب أن نغيّر هذه الصفات ونستبدلها بغيرها, فنبدّل الصفات السلبيّة بالإيجابيّة.. ونستبدل الصفات السيّئة بالحسنة.. ونرفع الحجب.. فيزدادَ إدراكنا.. وتشتدّ نورانيّتنا يوماً بعد يوم, ونخرج من التقيّد والحدود, ونهجر محدوديّة عالم المادّة ونودّعها, ونقطع تعلقاتنا بها.. ونرحل إلى عالم المجرّدات وعالم النّور, ونقترب من هذه العوالم, وهو عبارة عن الحركة في النفس,
فمقصدنا وهدفنا هو الله, والمسافر يحتاج إلى زادٍ ومطيّة, فزادنا هو التوكّل على الله, والراحلة هي الاستعانة بالله والعمل بالقرآن وسنّة النبيّ ومنهاج الأئمة عليهم السلام, هؤلاء هم زاد الطريق كذلك, ويجب أنْ نأخذَ بذلك ونتزوّد به ونسلك ونتحرك ونبلغ الهدف, فهذا الطريق معدّ للسير والحركة, وهو الطريق الذي سارَ عليه من سبقنا,
ولا ينبغي أن يقول الإنسان: أنا هكذا.. لا أستطيع.. أنا بعيد... ليس لديّ أيّ قابلية.. ولا استعداد.. كلُّ ذلك كلام فارغ وهراء لا معنى له, ولا طائل منه, فهذه القابليّة التي حصلَ عليها الإنسان, هل كانت من منزل أبيه؟! كلّ ذلك كان بيد الله, وبعناية من الله, فهو الذي أعطى.. وكذلك يعطي, فليس لله عداوة معنا, وليس لله سابقة سوءٍ معنا, فقد أوجدنا برحمته, لنتكامل ونسير ونبلغَ رحمته, ونسلك إليها ونقصدها,
فالله قد خلقنا من نطفة, ووضعنا في هذه السلسلة الطويلة, فتجاوزنا مسافاتٍ هائلة وحالات مختلفة, وبعد ذلك أَوصَلَنا إلى الدنيا, ثمّ يشرعُ هذا الإنسان بالتسويف والتضييع, ويلهي نفسه في أمور جزئيّة تافهة جدّاً, ويقول: أريد أن ألهو وأهزأ! لا أريد أن أعتني بشيء! ولن أهتمّ بشيء, أريد أن أسخر بكلّ ذلك!! أيّها الإنسان ـ أستغفرُ الله ـ لو أراد شخصٌ أن يقابل إنساناً آخر بهذا التصرّف لاستحيى منه.. ولعيّبوه..
والحال أنّنا قد دُعينا إلى الخير المحض والرحمة المطلقة, لكنّنا نواجه ذلك بأنْ نعارضُ ونعترض ونقترح ونتوقّف.. ففائدة هذا السلوك ليست لله! بل هي لنا ولأجلنا, وعليه فكلّ ما نتوهّمه أنّه مخالفٌ للمصلحة ومغايرٌ للواقع فتقفُ أنفسنا بوجهه وتعانده ولا ترضخ له.. فإنّ علينا أنْ نلجمَ أنفسنا ونُصلحَها ونطبّق منطقنا وذاتنا على هذا المنهج الإلهي, فالله خير محض. ونحن إنشاء الله ـ وبإرادة الله ـ ما إنْ نتحرّك نصل, وحينئذ سوف ينكشف أنّ ما قالوه هو صحيح, فوا عجباً.. كلّه صحيح, كلّ ما كانوا يذكرونه من الجنّة هو كذلك.. حور العين هي هكذا.. وجنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار.. حقاً كذلك.. يا للعجب!! كلّه حقيقة وواقع.. فقد ورد في القرآن المجيد أنّ أهل الجنة يقولون لأهل النار {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} [7]
ها قد وجدنا كلّ ما وَعَدنا الله به من الجنة والرضوان والأماكن الواسعة الفسيحة أمامنا, وكذلك ما وعدهم به ربّهم من: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [8] ذاك الغلّ, فالغلّ هو القذارة, يقولون مثلاً: حينما يريدون أن يمزجوا السكّر بالماءً ويصنعون منه حلواً, يطفو على سطحه مادة غير نظيفة, ثمّ بعد ذلك يضيفون إليه مادّة ثانية تأخذ كلّ ذلك وتجعله نقياً صافياً وطيباً, والله يفعلُ كذلك في قلوب المؤمنين, فيخرجُ من قلوبهم كلّ غلٍّ وكدورة ومعصية, وبعد ذلك يُوصلُ الإنسانَ إلى حالة يصبحُ من خلالها ينظرُ إلى جميع أهل العالم بنظر المحبّة والعطف, حتى إلى الكفّار, حتى إلى الأشقياء, ويُشفق على حالهم ويرفق بهم.. ويعطف على الكفار.. يا ربّ اهْدِهم.. نعم هو كافر لكن اهْدِه.. يتحمّل المشقّة لأجل هدايتهم, يتحمل المشقّة كي يسلموا, فالنّبي كانَ يحارب, وكانَ يقتلُ منهم ويقاتلهم كي يُسلموا, وليفتحَ لهم طريق الهداية, وما إنْ يُسلموا ويتحقّق الارتباط بينهم وبين النّبي ويسلِّموا له, حتّى يدخلوا في بحر واسع من الرحمة والنظرة الرحمانيّة الشاملة لجميع الخلائق, فإنّه يطلب الخير للجميع, كلٌّ حسبَ درجته ورتبته, ويحبُّ الجميع, ويرغب في أن يطوي الجميع الصراط المستقيم وصراط الإسلام, صراط الإنسانية.. ليصل الجميع إلى الله.. ويخطو الجميع نحوَ الهدف الصحيح والممشى السديد, فلا غلّ أبداً ولا حسد.. ولا تكبّر ولا تشويش.. لا غشّ في النفس.. ولا اضطراب فيها.
كنّا ذاتَ مرّة في المستشفى وقد بِتنا فيه, فكانوا حينما يحضرون وجبة الغذاء, وذلك بعد أن أجازوا لنا بتناول الطّعام, حيث بقيت لمدّة أسبوع ممنوعاً من ذلك, وكنتُ أضع قطعة من المنديل أمامي, وكان هو سفرتنا.. وبعد أن رخّصوا بالطّعام, فحينما يحينُ وقت الغذاء ويحضرون الطعام كنت آكل منه لقمة واحدة, وكنت أقول: سيد محمّد محسن! ناولني هذه السّفرة! لَعمرُكَ.. لا يمتلكُ مثلها رئيس جمهورية أمريكا, فهذه السفرة التي كنّا نفترشها ولم تكن مساحتها تتجاوز المنديل الصغير, وكنتَ أنتَ تجلسُ بقربي هنا, مع خالص المحبّة والوفاء, وهذه العذوبة, والبهجة, دون أيّ غصّة ولا غمّ, أقسمُ بالله أنّ رؤساء الدنيا لا يمتلكون مثلها, يعني لا يستطيعون أن يقيموا مثل هذه المأدبة التي لا همّ فيها ولا غمّ,
وعليه فإنْ يطلب العقلاء الدنيا ويعملوا لأجلها فسوف يكونوا مخطئين. لأنّهم من خلال ركونهم إلى الدنيا سيستجلبون العذاب لأنفسهم, ويتجهون نحو جهنّم, أي يتحرّكون نحو الشقاء. فأيُّ طريق يريد الإنسان أن يطويه في الدنيا لأجل الراحة فهو خيال؛ لأنّه حينما يبلغ ذلك سوف يدركُ أنّه خيال ووهم وسراب, وسوف يُهزَم ويتقهقر.. ويُواجه الخسارة ويدركها, فينامُ متعباً, ويستيقظ متعباً, وألف خطّة من المكر والحيلة.. ويأخذُ بالاعتراض ويقول: ما هي هذه الحياة؟ ما هذه الدنيا؟ حسناً, تفضّل خذْ هذا القصر, ومن الذهب كذلك.. وارتفاعه يبلغُ السماء وينطَحها.. فأيّهما أفضل؟ أن يمتلك الإنسان كوباً خشبياً ويشربُ بواسطته ماءً بارداً, أم يكون عنده إناء ذهبي ولكن يشرب فيه الدم؟! هؤلاء رؤساء الجمهورية, هؤلاء السلاطين الذين يتقيّئون الدم ويموتون, ألا يتقيئون في الإناء الذهبي! بينما ذاك الفقير الذي لا يملك حيلة, ويعيش في قريته وهو مؤمن.. مسلم.. وعنده وعاء خشبي يأكل منه, هو وعائلته وأطفاله, ويشرب به الماء البارد السلس, ويقول الحمد لله.. هذا أفضل أم ذاك؟ فإذاً, أقسم بالله أنّ كلَّ عبيد الدنيا مشتبهون, _______________________________________________________________
[7] ـ سورة الأعراف من الآية 44.
[8] ـ سورة الحجر آية 47.
Categories: Lectures Tehrani behavior
The words you entered did not match the given text. Please try again.
Oops!
Oops, you forgot something.